ابن عطية الأندلسي
460
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ميت وذلك أن موسى وهارون ذهبا إلى التعبد أو نحوه فمات هارون فدفنه موسى وجاء فقالت له بنو إسرائيل أين هارون فقال مات بل أنت قتلته لأنك حسدتنا على حسن خلقه وعشرته فاختار السبعين ليمضوا معه حتى يروا برهان ما قال لهم فلما وصلوا قال له موسى يا هارون أقتلت أم مت فناداه من القبر بل مت فأخذت القوم الرجفة قال القاضي أبو محمد وروي أنهم ماتوا في رجفتهم هذه ويحتمل أن كانت كالإغماء ونحوه و * ( الرجفة ) * الاهتزاز والتقلقل للهول العظيم فلما رأى موسى ذلك أسف عليهم وعلم أن أمر بني إسرائيل سيتشعب عليه إذا لم يأت بالقوم فجعل يستعطف ربه أي رب لو أهلكتهم قبل هذه الحال وإياي لكان أحق علي وهذا وقت هلاكهم فيه مفسد على مؤذ لي ثم استفهم على جهة الرغبة والتضرع والتذلل ويحتمل قوله * ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) * أن يريد وقت إغضائهم على عبادة العجل أي وقت عبادتهم على القول بذلك وفي نفسه هو وقت قتله القبطي أي فأنت قد سترت وعفوت حينئذ فكيف الآن إذ رجوعي دونهم فساد لبني إسرائيل فمنحى الكلام على هذا محض استعطاف وعلى التأويل الأول منحاه الإدلاء بالحجة في صيغة استعطاف وإذا قلنا إن سبب الرجفة كان عبادة العجل كان الضمير في قوله * ( أتهلكنا ) * له وللسبعين و * ( السفهاء ) * إشارة إلى العبدة من بني إسرائيل وكذلك إذا كان سببها قول بني إسرائيل له قتلت هارون وإذا كان سبب الرجفة طلبهم الرؤية وتشططهم في الدعاء أو عبادتهم بأنفسهم العجل فالضمير في قوله * ( أتهلكنا ) * يريد به نفسه وبني إسرائيل أي بالتفرق والكفر والعصيان يكون هلاكهم ويكون قوله * ( السفهاء ) * إشارة إلى السبعين وروي أن السبعين لم يكن فيهم من زاد على الأربعين ولا من قصر عن العشرين وروي عن علي بن أبي طالب أنهم أحيوا وجعلوا أنبياء كلهم وقالت فرقة إن موسى عليه السلام لما أعلمه الله عز وجل أن السبعين عبدوا العجل تعجب وقال * ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ) * أي الأمور بيدك تفعل ما تريد وقيل إن الله تعالى لما أعلم موسى بعبادة بني إسرائيل العجل وبصفته قال موسى أي رب ومن أخاره قال أنا قال موسى فأنت أضللتهم إن هي إلا فتنتك ويحتمل أن يشير بها إلى قولهم أرنا الله إذ كانت فتنة من الله أوجبت الرجفة وفي هذه الآية رد على المعتزلة و * ( اغفر ) * معناه استر قوله عز وجل سورة الأعراف 156 * ( اكتب ) * معناه أثبت واقض والكتب مستعمل في ما يخلد و * ( حسنة ) * لفظ عام في كل ما يحسن في الدنيا من عافية وغنى وطاعة لله تعالى وغير ذلك وحسنة الآخرة الجنة لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها و * ( هدنا ) * بضم الهاء معناه تبنا وقرأ أبو وجزة هدنا بكسر الهاء ومعناه حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك وهو